منابر الكويت في خطبة الجمعة تتحدث عن «شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ»

نص خطبة الجمعة المذاعة والموزعة من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بتاريخ 2 من المحرم 1442هـ – الموافق 21 / 8 / 2020م ( شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ)

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّادِقُ الأَمِينُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

 

أَمَّا بَعْدُ:

 

فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعْمَلُوا بِطَاعَتِهِ وَرِضَاهُ، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءُلونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً  [النساء:1].

 

أيُّهَا المُسْلِمونَ:

 

إِنَّ مِنْ فَضلِ اللهِ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ أَنْ خَصَّهَا بِأَزْمِنَةٍ فَاضِلَةٍ كَرِيمَةٍ، وَأَكْرَمَهَا بِأَيَّامٍ وَلَيَالٍ مُبَارَكَةٍ عَظِيمَةٍ، تَعْلُو بِهَا عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَتُهَا، وَتَزدَادُ بَيْنَ الْخَلْقِ مَكَانَتُهَا، فَمَا يَأْتِي مَوْسِمٌ لِلْخَيْرِ إِلَّا أَعْقَبَهُ مَوْسِمُ خَيْرٍ آخَرُ، وَالسَّعِيدُ مَنِ اغْتَنَمَ هَذِهِ المَوَاسِمَ فَتَزَوَّدَ مِنْهَا لِليَومِ الآخِرِ.

 

أَلَا وَإِنَّ مِنَ الأَزْمِنَةِ الَّتِي اصْطَفَاهَا اللهُ وَاخْتَارَهَا لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ وَقْتًا وَمَطْلَبًا: الأَشْهُرَ الْحُرُمَ الأَرْبَعَةَ؛ ذَا القَعْدَةِ وَذَا الحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ وَرَجَبًا، وَقَدْ حَثَّنَا الشَّرْعُ المُطَهَّرُ عَلَى اغْتِنَامِهَا وَالتَزَوُّدِ مِنَ الصَّالِحَاتِ، وَنَهَانَا عَنْ ظُلْمِ أَنْفُسِنَا فِيهَا بِالذُّنُوبِ وَالمُنْكَرَاتِ، قَالَ تَعَالَى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة:36].

 

وَمِنْ هَذِهِ الأَشْهُرِ الحُرُمِ: شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ، الَّذِي جَعَلَ اللهُ لَهُ الفَضْلَ الأَعَمَّ والمَقَامَ المُعَظَّمَ، فَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرَ اللهِ المُحَرَّمَ، وَإِضَافَتُهُ إِلَى اللهِ تَدُلُّ عَلَى شَرَفٍ وَفَضْلٍ أَعْظَمَ، قَالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللهُ: (إِنَّ اللهَ افْتَتَحَ السَّنَةَ بِشَهْرٍ حَرَامٍ وَخَتَمَهَا بِشَهْرٍ حَرَامٍ، فَلَيْسَ شَهْرٌ فِي السَّنَةِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ أَعْظَمَ عِنْدَ اللهِ مِنَ المُحَرَّمِ، وَكَانَ يُسَمَّى شَهْرَ اللهِ الأَصَمَّ مِنْ شِدَّةِ تَحْرِيمِهِ).

 

وَلَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ أَنَّ صِيَامَ شَهْرِ اللهِ المُحَرَّمِ أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ؛ فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ»، وَصِيامُ عَاشُورَاءَ وَهُوَ اليومُ العَاشِرُ مِنْهُ يُكَفِّرُ سَنَةً؛ فَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَرَّى صِيَامَهُ؛ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- وَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ – فَقَالَ: «مَا عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ  صَامَ يَوْمًا يَطْلُبُ فَضْلَهُ عَلَى الْأَيَّامِ إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ، وَلَا شَهْرًا إِلَّا هَذَا الشَّهْرَ» يَعْنِي رَمَضَانَ [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].

 

وَإِنَّ المُسْلِمِينَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ اتِّبَاعًا لِهَدْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَيْسَ لِشَيْءٍ آخَرَ سِوَاهُ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ العَرَبَ فِي الجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَصُومُونَهُ؛ وَفِي الإِسْلَامِ كَانَ صِيَامُ عَاشُورَاءَ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ وَاجِبًا عَلَى مَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، ثُمَّ لَمَّا فُرِضَ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ صَارَ مُسْتَحَبًّا، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَلَهُ أَجْرٌ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ وَلَيسَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؛ فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ صَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تَرَكَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].

 

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبة الثانية

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ جَلَّ فِي عُلاهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَمُجْتَباهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تسليمًا كثيرًا إِلَى يَومِ نَلْقَاهُ.

 

أَمَّا بَعْدُ:

 

فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعْمَلُوا بِطَاعَتِهِ وَرِضَاهُ؛ فَإِنَّهُ مَنِ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ، وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا.

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:

 

وَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى المَدِينَةِ وَجَدَ اليَهُودَ يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ سَبَبِ صِيَامِهِمْ ذَلِكَ اليَومَ فَأَخْبَرُوهُ؛ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟» فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، أَنْجَى اللهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا، فَنَحْنُ نَصُومُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ» تَقْرِيراً لِتَعْظِيمِهِ وَتَأْكِيداً [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].

 

وَفِي آخِرِ حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَزَمَ عَلَى صِيَامِ يَوْمٍ آخَرَ مَعَ عَاشُورَاءَ؛ فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللهُ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ» قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ، حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَفِي رِوَايَة: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ». وَعَلَى هَذَا يُسَنُّ أَنْ يُصَامَ التَّاسِعُ أَوِ الحَادِي عَشَرَ مَعَ العَاشِرِ.

 

فَصُومُوهُ – يَا عِبَادَ اللهِ – مُخْلِصِينَ، وَافْعَلُوا فِيهِ الخَيْرَ مُنِيبِينَ وَمُتَقَرِّبِينَ، وَاجْتَنِبُوا فِيهِ مَا يُضَادُّ شَرْعَ رَبِّـكُمُ الأَعَزِّ الأَكْرَمِ، أَوْ يُخَالِفُ هَدْيَ نَبِيِّـكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاعْمَلُوا فِيهِ بِمَا يُرْضِي رَبَّـكُمْ، وَأَقِيمُوا فَرَائِضَهُ، وَاجْتَنِبُوا مَحَارِمَهُ؛ تَسْعَدُوا فِي الدُّنْيَا، وَتُفْلِحُوا فِي الآخِرَةِ.  وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ ياأُوْلِي الأَلْبَابِ  [البقرة:197].

 

وَتَعَاوَنُوا – عِبَادَ اللهِ- وَلَا تَهَاوَنُوا، وَلْنَعْمَلْ بِالإِرْشَادَاتِ وَالتَّوجِيهَاتِ؛ لأَنَّهَا مِنْ أَجْلِ سَلامَةِ دِينِنَا وَدُنْيَانَا وَأَنْفُسِنَا وَمُجْتَمَعِنَا، وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ  [المائدة:2].

 

اللَّهُمَّ إِنَّا نسْأَلُكَ المُعَافاةَ الدَّائِمَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، وَاشْفِ اللَّهُمَّ مَرْضَانا وَمَرْضَى المُسلمينَ. اللَّهمَّ وَفِّقْ أَمِيرَنَا لِهُدَاكَ، وَاجَعَلْ أعْمَالَهُ فِي رِضَاكَ، وأَلْبِسْهُ ثَوبَ الصِّحَّةِ وَالعَافِيةِ، اللَّهُمَّ وَوَفِّقْ نَائِبَهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الأَمِينَ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِناصِيَتِهِ لِلبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

مقالات ذات صلة